المجالس البلدية بين الحل والانتخاب والتعيين.. أي طريق يخدم المواطن؟ * د. محمد بركة القيسي
حصاد نيوز – طالما شكّلت المجالس البلدية إحدى أهم حلقات الإدارة المحلية، باعتبارها الأقرب إلى المواطن والأكثر تماسًا مع تفاصيل حياته اليومية، من تعبيد الطرق وصيانة الشوارع، إلى النظافة والإنارة والتنظيم والخدمات العامة. ولذلك فإن أي قرار يتعلق بحل المجالس البلدية أو إعادة تشكيلها لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره إجراءً إداريًا عابرًا، بل باعتباره خطوة تمسّ مباشرة طبيعة العلاقة بين المواطن ومؤسسات الإدارة المحلية.
ومع الحديث عن حل المجالس البلدية وإعادة ترتيب المشهد البلدي، يبرز سؤال جوهري يستحق نقاشًا وطنيًا هادئًا ومسؤولًا: هل الأفضل أن تُدار البلديات من خلال مجالس منتخبة من المواطنين، أم من خلال رؤساء ومجالس يجري تعيينهم لضمان سرعة العمل والكفاءة الإدارية؟
الانتخابات، من حيث المبدأ، تمنح المواطن حق اختيار من يراه قادرًا على إدارة شؤونه المحلية، وهي تعزز الشعور بالمشاركة والمسؤولية، وتمنح رئيس البلدية وأعضاء المجلس شرعية شعبية تجعلهم مطالبين أمام ناخبيهم بتقديم الحساب عن أدائهم. كما أن وجود مجلس منتخب يفتح الباب أمام المنافسة في البرامج والأفكار، ويجعل المواطن شريكًا في تحديد أولويات منطقته.
لكن الانتخابات وحدها لا تضمن بالضرورة نجاح التجربة البلدية. فالمعيار الحقيقي لا يجب أن يكون فقط في كيفية وصول المسؤول إلى موقعه، وإنما في قدرته على إدارة البلدية بكفاءة، والتعامل مع الملفات المالية والخدمية، واتخاذ القرارات بعيدًا عن المصالح الشخصية والمناطقية، ووضع خطط قابلة للتنفيذ.
وفي المقابل، فإن التعيين قد يمنح الحكومة مساحة أكبر لاختيار شخصيات تمتلك خبرة إدارية وفنية، خصوصًا في البلديات التي تواجه تحديات مالية أو تنظيمية كبيرة. كما يمكن أن يساهم التعيين في تسريع اتخاذ القرار وتقليل بعض مظاهر التجاذب الانتخابي التي قد تؤثر أحيانًا في أداء المجالس المحلية.
إلا أن التعيين يواجه في المقابل سؤالًا أساسيًا يتعلق بالتمثيل الشعبي والمساءلة. فالمواطن الذي لم يشارك في اختيار رئيس البلدية أو المجلس قد يشعر بأن علاقته بالبلدية أصبحت علاقة متلقٍ للخدمة فقط، وليس شريكًا في صناعة القرار المحلي. وهنا تكمن أهمية الحفاظ على روح الإدارة المحلية القائمة على إشراك المواطنين في تحديد احتياجات مناطقهم وأولوياتها.
وبين الانتخاب والتعيين، ربما لا تكون القضية في اختيار أحدهما وإلغاء الآخر، بقدر ما تكمن في البحث عن صيغة تحقق التوازن بين الشرعية الشعبية والكفاءة الإدارية.
فالمطلوب ليس مجرد رئيس بلدية يفوز في الانتخابات، وإنما رئيس يمتلك القدرة على إدارة مؤسسة خدمية واقتصادية معقدة، وليس مجرد شخصية تحظى بشعبية. وفي الوقت ذاته، فإن المطلوب من أي نظام تعيين ألا يحوّل البلدية إلى مؤسسة بعيدة عن نبض الشارع واحتياجات المواطنين.
ولعل التجربة الأفضل تتمثل في تعزيز معايير اختيار المرشحين، ورفع مستوى التأهيل والتدريب لأعضاء المجالس البلدية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإيجاد آليات واضحة لقياس الأداء، بحيث يصبح المواطن قادرًا على تقييم ما قدمه المجلس من خدمات ومشاريع، بعيدًا عن الوعود والشعارات.
إن حل المجالس البلدية، إذا كان جزءًا من عملية إصلاح وتطوير شاملة، يمكن أن يشكل فرصة لإعادة تقييم تجربة الإدارة المحلية، وليس مجرد انتقال مؤقت من مرحلة إلى أخرى. فالمواطن لا يبحث عن اسم رئيس بلدية منتخب أو معين بقدر ما يبحث عن شارع آمن، ونظافة أفضل، وتنظيم عادل، وخدمات سريعة، وبلدية قادرة على التعامل مع مشكلاته بجدية.
وفي النهاية، فإن نجاح البلديات لا يقاس بالطريقة التي وصل بها رئيس البلدية إلى موقعه فقط، بل بما يتركه من أثر في حياة الناس. فالانتخاب يمنح الشرعية، والتعيين قد يوفر الخبرة، لكن الكفاءة والنزاهة والمساءلة وحسن الإدارة هي التي تصنع النجاح الحقيقي.
ويبقى التحدي أمام صانع القرار هو الوصول إلى نموذج بلدي يضمن للمواطن صوته، وللدولة قدرتها على الرقابة، وللبلدية استقلالية تمكنها من أداء دورها، بحيث تصبح المجالس البلدية مؤسسات فاعلة لا ساحات للتجاذب، ويكون الهدف الأول والأخير هو خدمة المواطن وتحسين جودة الحياة في المدن والبلدات والقرى الأردنية.