سمكة خارقة تغزو المياه العراقية
حصاد نيوز – قبل نحو 18 عاما، حذرت منظمات بيئية عراقية من سمكة البلطي الغازية التي تسللت إلى المياه العراقية، حتى أصبحت اليوم توجد بكثافة كبيرة، واليوم تؤكد نفس المنظمات أن العراق يعيش مع مشكلة بيئية أضخم تمثلها سمكة أكثر شراسة، وهي سمكة السلور أو ما يعرف بالقرموط الأفريقي، وذلك بعد أن تم تجاهل تحذيراتهم من خطورتها قبل نحو خمسة أعوام.
ويقول رعد حبيب الأسدي، رئيس منظمة الجبايش للسياحة البيئية (منظمة أهلية) في العراق للجزيرة نت، بنبرة تبدو يائسة: “ما أشبه الليلة بالبارحة، بح صوتنا من التحذير من سمكة البلطي الغازية، ولم يسمع لنا، وفعلنا نفس الشيء قبل سنوات مع سمكة القرموط الأفريقي ولم يسمع لنا، حتى باتت تمثل اليوم تهديدا يفوق سمكة البلطي بكثير”.
وبدأت قصة العراق مع هذه السمكة الخارقة في عام 2021، عندما ظهرت في المياه العراقية بكميات قليلة، ولم تستجب السلطات البيئية حينها لتحذيرات تم إطلاقها من خطورة تلك السمكة الغازية على الأسماك المحلية، والآن خرجت تلك السمكة الغازية عن السيطرة، حتى باتت تمثل تهديد يصعب السيطرة عليه، كما يؤكد رعد.
وتكشف فيديوهات نشرتها منظمة المناخ الأخضر العراقية “منظمة أهلية” قبل أيام، كيف وضع صيادون محترفون شباكهم في هور الدلمج، أحد أهوار جنوب العراق، لتخرج الشباك وقد امتلأت خلال دقائق معدودة بكميات ضخمة من هذه السمكة، ليكشف تشريحها بواسطة الصيادين، كيف تتغذى بشراهة على الأسماك المحلية، حتى باتت تهدد وجودها.
ووفق تقديرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “الفاو”، يستهلك القرموط الأفريقي يوميا ما بين 3% و10% من وزنه من الغذاء في الظروف المثالية، خاصة في المراحل العمرية الصغيرة، ويفسر الخبراء هذه الأرقام، بأنه إذا كان لدينا قرموط يزن 1 كيلوغرام، فقد يستهلك نحو 30-100 غرام من الغذاء يوميا، وإذا كان غذاؤه عبارة عن أسماك صغيرة يزن الواحد منها 5-10 غرامات، فهذا يعادل نظريا عدة أسماك صغيرة يوميا.
ولا يوجد سمكة بعينها مفضلة للقرموط الأفريقي، إذ يتمتع بمرونة غذائية استثنائية، تجعله يستطيع التحول بسرعة من افتراس نوع من الأسماك إلى نوع آخر، بحسب الأكثر وفرة في البيئة، وهو ما يعينه على التأقلم السريع في أي مكان، وذلك وفق ما كشفت عنه العديد من الدراسات، أبرزها دراسة أجريت في جنوب إفريقيا، ونشرت بدورية “جورنال أوف زوولوغي” (Journal of Zoology).
سبع مزايا في سمكة واحدة
والمرونة الغذائية ليست هي الميزة الوحيدة للقرموط الأفريقي التي تساعده على التأقلم السريع في أي بيئة، إذ يتمتع أيضا بقدرة فائقة على العيش في المياه الفقيرة بالأكسجين، كما كشفت نفس الدراسة التي أجريت بجنوب أفريقيا، وعزت ذلك، إلى امتلاكه عضوا تنفسيا إضافيا فوق الخياشيم يعرف باسم العضو فوق الخيشومي، يمكنه من الحصول على الأكسجين من الهواء مباشرة.
وبسبب هذه القدرة يستطيع أن يتحمل القرموط الأفريقي التلوث العضوي والنجاة خلال فترات الجفاف والعيش في البرك الراكدة والمستنقعات.
ويستطيع القرموط الأفريقي أيضا، التحرك لمسافات قصيرة فوق الأراضي الرطبة مستخدما حركات جسمه وزعانفه الصدرية عندما تجف البرك أو تنخفض المياه، وهي ميزة ثالثة، وثقتها دراسة نشرت بالدورية الألمانية “أرشيف فور هيدروبيولوغي” ( Archiv für Hydrobiologie )، وبسببها يستطيع استعمار موائل جديدة، والهروب من البيئات غير المناسبة، والانتشار السريع بعد الفيضانات.
وعند تواجده في بيئة جديدة، تنمو يرقاته وصغاره بسرعة كبيرة مقارنة بالعديد من الأنواع المحلية، وهذه الميزة الرابعة التي وثقتها دراسة نشرت بدورية “ذي ترانزاكشنز أوف ذا زولوغيكال سوسايتي أوف لندن” (The Transactions of the Zoological Society of London)، تساعده على الوصول السريع إلى أحجام أقل عرضة للافتراس، وهذا يزيد من فرصة بقائه، ومنحه الفرصة لتكوين تجمعات كبيرة خلال فترة قصيرة.
كما يتمتع أيضا بميزة خامسة، وهي خصوبة استثنائية، إذا يمكن للأنثى الواحدة إنتاج عشرات الآلاف إلى مئات الآلاف من البيوض، ووفق دليل أصدرته الفاو، فإن هذه السمة تساعده على تعويض الفاقد بسرعة، وتأسيس تجمعات جديدة خلال سنوات قليلة.
ولا تؤثر جودة المياه ودرجات الحرارة على هذه التجمعات الجديدة، إذ إن له ميزة سادسة، وهي القدرة على العيش في ظروف حرارية وكيميائية متباينة، وذلك وفق دراسة نشرت بدورية “باكستان جورنال أوف زوولوغي” ( Pakistan Journal of Zoology )، وتساعد هذه الميزة على العيش بالأنهار والأهوار والبحيرات والبرك، وتحمل الملوحة المنخفضة نسبيا، ومقاومة التغيرات البيئية المفاجئة.
وأخيرا، توثق دراسة نشرت بدورية “جورنال أوف زوولوغي” (Journal of Zoology)، لأهمية ميزة سابعة لهذه السمكة، وهي امتلاكها فما واسعا وأسنانا دقيقة تمكنها من ابتلاع فرائس كبيرة نسبيا، وهو ما يساعدها على التنافس بقوة على الموارد الغذائية وافتراس صغار الأسماك المحلية.