البوصلة قبل الطريق م. عامر البشير

3٬587

حصاد نيوز – حين يختلط علينا الاتجاه… لا نحتاج إلى طريق جديد، بل إلى مرجعية تهدينا إلى سواء السبيل

ليست المشكلة أن تتعدد الطرق، بل أن تضيع المرجعية التي نهتدي بها، فكم من إنسان قطع مسافات طويلة، ثم اكتشف أنه كان يبتعد عن غايته، لا لأنه عجز عن السير، بل لأنه فقد المرجعية التي تهديه إلى صواب الاختيار، فالسرعة لا تعني الوصول، وكثرة الخيارات لا تغني عن وضوح الوجهة.

ومنذ أن أدرك الإنسان موقعه في هذا الوجود، وهو يبحث عن سبيل يحقق به طموحه ويمنح رحلته معنى. لكن السؤال الذي رافق الحضارات لم يكن يوماً: أي طريق نسلك؟ بل: بأي قيم نختار الطريق؟ فالوسائل تتطور، والظروف تتبدل، أما المبادئ التي تحكم الاختيار فهي التي تمنح الإتجاه معناه، وللإنجاز قيمته، وللتقدم غايته.

اختلال الموازين

هذه هي المعضلة التي يعيشها عالمنا اليوم، فنحن لا نعاني فقراً في المعرفة ولا نقصاً في الإمكانات، بقدر ما نعاني اضطراباً في المرجعيات التي نحاكم بها الأفكار، ونقوّم بها الأشخاص، ونبني عليها قراراتنا. وحين تختل الموازين، يصبح الثابت قابلاً للمساومة، ويغدو الحق رهيناً للمصلحة، وتفقد الحقيقة قدرتها على جمع الناس حولها.

ولم يكن العمران في أي عصر نتاج الحجر وحده، بل ثمرة منظومة من القيم، فالحجر يشيد المدن، أما المبادئ فتبني الأوطان، والقوانين تنظم العلاقات، لكن الأخلاق هي التي تمنحها روحها، وتحول النصوص إلى عدالة يشعر بها الناس في حياتهم اليومية.

ولذلك لم يكن الميزان، في الوعي الإنساني، مجرد رمز للعدل، بل رمزاً للتوازن الذي تستقيم به الحياة، فالأمم لا تبدأ أزماتها حين تقل مواردها، وإنما حين يختلط فيها المبدأ بالمصلحة، والثابت بالمتغير، والكفاءة بالمحاباة.

فالقرارات العظيمة لا تبدأ من وفرة الخيارات، بل من وضوح المرجعية التي تميز بين الممكن والصحيح.

الحرية والضمير

المبادئ ليست قيوداً على الحرية، بل هي الضمانة الوحيدة لبقائها. فالنهر يبلغ البحر لأن ضفتيه تحفظان مجراه، ولو فقدهما لتحول إلى مستنقع، وكذلك الحرية؛ لا تزدهر إلا إذا أحاطتها المسؤولية، ولا تستقيم إلا إذا صاحبها الضمير.

ومن أكبر الأوهام أن نخلط بين التغيير والتقدم؛ فليس كل جديد إصلاحاً، وليس كل ثابت جموداً، فالشجرة تجدد أوراقها كل عام، لكنها لا تتخلى عن جذورها، وكذلك الأمم؛ تطور مؤسساتها وتجدد أدواتها، لكنها تحافظ على القيم التي تمنحها هويتها، وإلا تحولت إلى تجمع مصالح لا مجتمع يجمعه معنى.

وكل انحراف كبير يبدأ باستثناء صغير؛ ثم يكبر الاستثناء حتى يغدو قاعدة، ويصبح الالتزام هو الاستثناء. وقبل أن تتغير الوقائع، تتغير اللغة؛ فيصبح التلون مرونة، والتملق دبلوماسية، والانتهازية ذكاء، والسكوت حكمة، حتى تفقد الكلمات قدرتها على حماية معانيها.

وليس أخطر على أمة من أن يضعف فيها الحس الأخلاقي الذي يميز بين الصواب والخطأ، فالقوانين تعاقب الجريمة، لكنها لا تصنع الضمير، والرقابة تحد من بعض التجاوزات، لكنها لا تخلق إنساناً أميناً، وما يحفظ المجتمعات ليس كثرة النصوص، بل كثرة من يؤمنون بأن الصدق قيمة، والعدل واجب، والأمانة شرف، حتى حين يغيب الرقيب.

ولهذا فإن الحضارات لا تبدأ بالانهيار عندما تخسر معركة أو تمر بأزمة اقتصادية، بل عندما تتآكل القيم التي قامت عليها. فعندما يصبح الكذب مهارة، والانتهازية فضيلة، والوفاء سذاجة، تكون الأمة قد بدأت تخسر نفسها، وإن بقيت مظاهر القوة قائمة.

الإصلاح يبدأ من المرجعية

ولعل الأردن يقف اليوم أمام مرحلة تتطلب وضوحاً أكبر في المرجعيات التي تحكم مسيرة التحديث السياسي والاقتصادي والإداري.

فالدولة التي استطاعت، عبر عقود، أن تتجاوز تحديات معقدة، لم تستند إلى وفرة الموارد، بقدر ما استندت إلى الاعتدال، وسيادة القانون، والهوية الوطنية الجامعة، وتغليب المصلحة العامة.

فالإصلاح لا ينجح بمجرد إعلان أهدافه، بل عندما تتحول القيم التي يقوم عليها إلى ممارسة يومية يلمسها المواطن في مؤسسات الدولة وخدماتها.

واليوم، يصبح الإصلاح الحقيقي مرهوناً بترسيخ هذه القيم في الممارسة اليومية، لا في الشعارات وحدها، فهو يقاس عندما تكون الكفاءة وحدها معيار التعيين والترقية، وعندما تستقر التشريعات بما يعزز الثقة ويحقق اليقين، وعندما يقاس نجاح المؤسسات بجودة خدماتها، وسرعة إنجازها، وحجم الثقة التي تبنيها لدى المواطنين. فهذه ليست تفاصيل إدارية، بل التعبير العملي عن فلسفة الدولة.

إن السؤال الحقيقي ليس: كيف ننجز أكثر؟ بل: كيف ننجز بعدالة وكفاءة واستدامة؟ وكيف نجعل النزاهة أساس المسؤولية، والكفاءة معيار التكليف، والمصلحة الوطنية مرجع كل قرار؟ فعندما تستقيم هذه القواعد، تترسخ الثقة، ويصبح الاختلاف في الوسائل مصدر إثراء، لا سبباً للانقسام.

لقد امتلك الإنسان من الوسائل ما لم يمتلكه جيل قبله، لكن ذلك لم يضمن ازدياد الحكمة. فالوسائل لا تمنح الغايات مشروعيتها، بل تكشف حقيقتها، وتضاعف أثرها؛ فإن صلحت الغاية سمت بها، وإن فسدت زادتها خطراً.

ليس أخطر على الأمم أن تخطئ الطريق، بل أن تفقد القدرة على التمييز بين الطريق والتيه.

قد تتغير الخرائط، وتتبدل المصالح، وتتسارع أدوات العصر، لكن المبادئ الكبرى لا يطالها التقادم؛ فالصدق لا يشيخ، والعدل لا يفقد ضرورته، والأمانة لا تتغير بتغير الأزمنة. وهذه ليست مثاليات تزين الخطب، بل قوانين غير مكتوبة تحفظ تماسك المجتمعات حين تعجز النصوص وحدها عن ذلك.

وحين نستعيد هذه القيم، فلن نعود إلى الماضي، بل إلى أفضل ما في أنفسنا. فالإنسان لا تبدأ رحلته حين يجد الطريق، بل حين يعرف لماذا يسلكه، والأوطان لا تصنع مستقبلها بكثرة الخيارات، بل بوضوح مرجعيتها وثبات مبادئها.

والأردن، وهو يمضي بثقة في مسيرة التحديث والاصلاح، يحتاج قبل كل شيء إلى أن تبقى قيمه الوطنية راسخة؛ فالأوطان لا تضيع حين تشتد عليها التحديات، بل حين تفقد البوصلة التي تهديها إلى الطّريق.

قد يعجبك ايضا