فايننشال تايمز: قادة إيران درسوا الحرب الأوكرانية ودعوا لتعزيز قدرة المسيرات ودمج الذكاء الاصطناعي
حصادنيوز – نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريرا أعده جاكوب جودا، قال فيه إن إيران، وقبل الجولة الأخيرة من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، حاولت فهم الطريقة التي دافع فيها الأوكرانيون عن أنفسهم وصمدوا أمام الهجوم الروسي المستمر منذ أكثر من ثلاثة أعوام. وراجعت الصحيفة أكثر من 300 مقال نشرت في 12 مجلة ودورية عسكرية إيرانية على مدى السنوات الخمس الماضية.
وتقدم هذه المقالات رؤية نافذة وفريدة على المؤسسة الإيرانية السرية، بما في ذلك ما يناقش داخليا، وكيف تتطور التكتيكات وتتغير، وما هي التقنيات التي تحظى بالأولوية.
وتكشف المقالات أن إيران درست أوكرانيا عن كثب لاستخلاص الدروس، لا سيما فيما يتعلق بالطائرات المسيرة، وأنها ركزت على تحديث أصولها في مجال الحرب السيبرانية، وعبر قادتها عن قلق بشأن التخطيط الاستباقي لقواتها. كما تظهر أن طهران راقبت عن كثب أداء روسيا، وكيف تكيفت أوكرانيا لمواجهة خصم أقوى بكثير.
وقالت الصحيفة إن حسين دادوند، هو قائد عسكري متقدم في السن، يدير كلية قتالية هامة شمال طهران، وكلف بتدريب آلاف الجنود الإيرانيين الذين يمرون عبر ثكناته على فنون القتال والانتصار في ساحة المعركة. وكان دادوند، في الفترة التي سبقت الحرب التي استمرت أسابيع مع إسرائيل والولايات المتحدة، من بين المسؤولين في الجيش الإيراني الذين استخلصوا دروسا استراتيجية من الحرب في أوكرانيا.
وكتب في مقال له أن هذه الدروس شملت جوانب عديدة، من مرونة الإنتاج الدفاعي الأوكراني إلى استخدام الطابعات ثلاثية الأبعاد لإنتاج طائرات مسيرة رخيصة الثمن وعلى نطاق واسع. وقد نشرت توصياته في مجلة دفاعية إيرانية مرموقة قبل عامين.
وناشد دادوند رؤساءه بضرورة استثمار إيران في الطائرات المسيرة، واستخدام وحدات قتالية أكثر مرونة وقدرة على الحركة، وتحديث أساليب التدريب والقتال. واقترح أيضا أن تتجه إيران نحو توظيف الذكاء الاصطناعي في ترسانتها العسكرية.
ومع أن نتائج بحث دادوند لم تكن مفاجئة بحد ذاتها، إلا أنها ربما قدمت مؤشرا مبكرا على توجهات الوضع داخل إيران. ففي العام الماضي، أجرى مقابلة نادرة في ميدان رماية افتتح حديثا، كشف فيها أن طهران حدثت الكتب الدراسية وأساليب التدريب لتواكب تجارب أوكرانيا. وقال دادوند: “كانت الحرب الروسية الأوكرانية إحدى الحالات التي درسناها بعناية. ومن أهم نقاط تلك الحرب الاستخدام الواسع النطاق للطائرات المسيرة الصغيرة والذكاء الاصطناعي. ونحن نشهد اليوم دخول تقنيات متقدمة، كالذكاء الاصطناعي والكم والنانو، إلى الساحة العسكرية”.
وعلقت الصحيفة أن جميع المقالات التي استعرضتها نشرت في مجلات متاحة للجميع، تابعة لأهم كليات الأركان ومعاهد التدريب التابعة للحرس الثوري والقوات المسلحة الإيرانية النظامية. ويشمل مؤلفوها قادة عسكريين كبارا، وضباطا طموحين، وأكاديميين مكلفين بتحليل التحديات الاستراتيجية التي تواجه إيران.
وتقدم هذه الدراسات لمحات مثيرة للاهتمام حول كيفية تفكير الجيش الإيراني واستخلاص الدروس التي يمكن تطبيقها في الصراعات المستقبلية. ونقلت الصحيفة عن نيكول غراجيفسكي، الخبيرة في الشؤون الإيرانية في معهد العلوم السياسية بباريس: “إنها مخصصة للتعلم العسكري، كما أنها تستخدم لطرح الأفكار ورصد ردود الفعل، وأحيانا يتم التعامل مع هذه الأفكار وتتعرض إلى تعديلات وتغيير”.
وتعتقد الصحيفة أن أهم ما يمكن أن تقدمه المقالات وتكشف عنه هو كيفية تقييم كبار القادة الإيرانيين لنقاط ضعف بلادهم، وقد سبقت كتابتهم عنها في السنوات السابقة للحرب مع إسرائيل والولايات المتحدة. ومن بين هذه الأدلة مقال شارك في تأليفه كيومارس حيدري وعبد العلي بورشاب، وهما قائدان عسكريان بارزان سبق لهما قيادة الجيش الإيراني، نشر في مجلة “دراسات الدفاع الاستراتيجي”، حيث أعربا فيه عن قلقهما إزاء محدودية التخطيط الاستباقي لمواجهة “التهديدات الناشئة”.
وكتبا في عام 2023 أن على إيران الإسراع في تجنيد المتخصصين، وإصلاح مناوراتها العسكرية، وتخطيط مشترياتها من الأسلحة بالاعتماد على التقنيات المتقدمة، مثل الطائرات المسيرة والليزر والمنصات الفضائية. كما أشارا إلى الصراع في أوكرانيا باعتباره مصدرا لـ “تهديدات جديدة”.
وعلقت غراجيفسكي قائلة: “أعتقد أن أحد أسباب كتابتهم عن الحرب في أوكرانيا هو حصولهم جزئيا على بيانات من تلك الحرب”، مضيفة أن الكتابة عن الصراعات الخارجية تتيح مجالا أوسع للتأمل الذاتي. وأضافت: “إنهم يريدون أن يكون الطلاب على دراية بالعمليات الجارية هناك وكيفية عمل الروس”.
ومع أن المجلات البحثية العسكرية الإيرانية أقل تفصيلا من نظيراتها الروسية، إلا أن غراجيفسكي أشارت إلى أن هذه المجلات توفر آلية جيدة للفروع المختلفة للتنافس على الموارد والاهتمام.
وقد شارك عزيز ناصر زاده، القائد السابق للقوات الجوية، الذي شغل منصب وزير الدفاع والذي قتل في غارة جوية في 28 شباط/فبراير، في تأليف مقال حول الحرب الإيرانية العراقية، اختتم بنداء عاجل لطهران لإعادة بناء أسطولها المقاتل المهمل من خلال شراء طائرات “سو-35” من روسيا. ونشر المقال في مجلة “دراسات مستقبل الدفاع”، وهي مجلة تابعة لكلية الأركان العامة للجيش الإيراني.
وكان شراء طائرات “سو-35” باهظة الثمن من روسيا مصدر خلاف، على ما يبدو، بين مختلف فروع الجيش الإيراني. ومع أن طهران أكدت عزمها المضي قدما في شراء هذه الطائرات، التي لم تسلم بعد، بعد فترة وجيزة من تعيين ناصر زاده وزيرا للدفاع، فإن مقاله سبق هذا التعيين بعدة أشهر.
وفي المقال، أوصى ناصر زاده أيضا بتزويد القوات الجوية الإيرانية بطائرات مسيرة انتحارية، ودمج الذكاء الاصطناعي في إجراءات اختيار الأهداف. كما دعا إلى “إعادة بناء الأجزاء المتهالكة” من قواعد القوات الجوية. وكان ناصر زاده قد شارك في تأليف دراسة زعمت أن القوات الجوية الأمريكية أصبحت أقل فعالية بسبب تقادمها وفشل برامج التحديث.
وعلق أفشون أوستوفار، الخبير في الشؤون العسكرية الإيرانية، أن المجلات كانت من الوسائل القليلة المتاحة للحصول على معلومات حول كيفية تصرف إيران في بعض الحالات الطارئة.
وتقدم أوراق اطلعت عليها صحيفة “فايننشال تايمز” تصورا عاما لكيفية تعامل القادة على النحو الأمثل مع مواقف مثل الصعود إلى السفن في مضيق هرمز أو صد غزو برمائي. وخلصت هذه الأوراق إلى أن النهج التصادمي هو الأفضل في الحالة الأولى، بينما أشارت الحالة الثانية إلى زرع الألغام في المياه الساحلية كآلية ردع.
وعلق أوستوفار قائلا: “تكون هذه المقالات مثيرة للاهتمام للغاية عندما تتحدث عن ممارساتها وعملياتها وإجراءاتها الخاصة”، مضيفا أنه من خلال تتبع الخطوط التحريرية للمجلات المهمة، يمكن تكوين صورة موثوقة إلى حد معقول حول أولويات إيران. وأضاف: “يمكنك الحصول على رؤية ضبابية لكيفية تغييرهم وتكيفهم، وغالبا ما يكشفون عن الكثير من خلال ما يولونه اهتماما”.
وتتناول العديد من المقالات تقنيات الطائرات المسيرة وتكتيكاتها واتصالاتها، بالإضافة إلى دراسات استقصائية تقيم كفاءة بطاريات الدفاع الجوي الإيرانية. ويلحظ أن هناك تركيزا ملحوظا على تعزيز قدرات الحرب السيبرانية، بما في ذلك دمج الذكاء الاصطناعي في عمليات صنع القرار والهجمات.
وقال محللون إن الضباط والقادة ومسؤولي الاستخبارات يكتبون أحيانا أوراقا بحثية بأسماء مستعارة. وأشاروا إلى أن المقالات التي يكتبها كبار المسؤولين يجب أن تؤخذ على محمل الجد أكثر بكثير من تلك التي يكتبها الطلاب أو الأكاديميون.
ويقول فرزين نديمي، وهو زميل بارز في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إن البحث العلمي والتقني يميل إلى أن يكون أكثر دقة من التحليلات الاستراتيجية. فقد كانت تلك المقالات المتعلقة بالسياسة الخارجية في كثير من الأحيان ضعيفة المنهجية، لدرجة أنه اعتبر استنتاجاتها مجرد “هراء”.
وقال نديمي إن الاستخبارات الأمريكية كانت ستنظر عميقا في المنشورات الإيرانية بحثا عن معلومات قيمة، وأضاف أن طهران اتخذت خطوات لمنع تسرب المعلومات الحساسة بإصدار توجيهات تمنع الضباط والمهندسين العاملين في المشاريع الدفاعية من نشر الكثير عنها.
ومع ذلك، فحتى الأبحاث الضعيفة قد تكون مفيدة لفهم عقلية الضباط الإيرانيين. فقد صورت العديد منها واشنطن على أنها ضعيفة، ورأوا فرصا تقوم فيها إيران بإعادة تشكيل الشرق الأوسط. فيما نظر إلى أذربيجان، التي تربطها علاقات وثيقة بإسرائيل، كمصدر قلق أمني لإيران.
ونقلت الصحيفة عن مايكل كونيل، ضابط المخابرات الأمريكية السابق والخبير في الشؤون الإيرانية بمركز التحليلات البحرية، قوله إنه وجد أن المقالات التي تتضمن استطلاعات رأي الخبراء والجنود العاملين حول قضايا أقل حساسية هي الأكثر قيمة.
فقد ذكرت إحدى الدراسات التي استعرضتها صحيفة “فايننشال تايمز” أهمية منع الجنود من الانجراف وراء إغراء الانضمام إلى “جماعات ضالة”. وكشفت دراسة أخرى عن مشاكل مزمنة في المستشفيات العسكرية، التي كانت عرضة للأزمات بسبب الاعتماد المفرط على موردي القطاع الخاص، والتي أهملت “وظائفها الأساسية” لإعطاء الأولوية للمدنيين المدرين للدخل.
وبحثت دراسات أخرى نشرت قبل فترة في كيفية منع الأفكار الانتحارية بين الجنود، أو وجدت أن الدارسين في أكاديميات عسكرية إيرانية مرموقة أبلغوا عن تمييز كبير على أساس فقر أسرهم أو خلفيتهم العرقية.
وأضاف كونيل: “إنها تعطينا نظرة ثاقبة على الحياة اليومية في الجيش الإيراني”.