زيت الزيتون .. أزمة منتج أم أزمة سياسات؟
|
حصادنيوز – فيصل تاية – أثار الإقبال الكبير من المواطنين على الزيت التونسي المستورد تساؤلات تتجاوز مسألة المفاضلة بين منتج محلي وآخر خارجي، لتلامس جوهر السياسات الزراعية والأمن الغذائي ، فالقضية لا يمكن اختزالها في نقص مؤقت أو اختلاف أسعار، بل تعكس خللاً متراكماً في التخطيط والتنفيذ، وفجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني الذي يعيشه المنتج والمستهلك على حد سواء ، فالزيت المستورد لم يفرض نفسه لأنه أفضل نوعاً بالضرورة، بل لأنه أكثر انتظاماً في التوفر وأقل كلفة، وهي معادلة لا تنشأ صدفة، بل نتيجة سياسات إنتاج ودعم واضحة في دول تعامل الزراعة كقطاع استراتيجي طويل الأمد، كما هو الحال في تونس التي نجحت في تحويل زيت الزيتون من منتج موسمي إلى ركيزة اقتصادية مستقرة. إن الحديث المتكرر عن الاكتفاء الذاتي يفقد معناه عندما لا يترجم إلى أدوات تنفيذ حقيقية، فالاكتفاء لا يعني الانغلاق ولا الاستغناء الكامل عن الاستيراد، بل يعني امتلاك القدرة على حماية السوق المحلي من التقلبات وضمان توفر السلع الأساسية بأسعار معقولة ، غير أن الواقع يكشف غياب رزنامة زراعية ملزمة مرتبطة باحتياجات السوق، وضعف التوجيه نحو المحاصيل الاستراتيجية، واستمرار التعامل مع الزراعة باعتبارها نشاطاً تقليدياً خاضعاً للموسمية والمخاطر، لا قطاعاً يحتاج إلى إدارة حديثة قائمة على البيانات والتخطيط المسبق ، وفي ظل شح المياه وتغير المناخ وارتفاع كلف الإنتاج، يصبح هذا الغياب أكثر كلفة، ليس على المزارع وحده، بل على الاقتصاد الوطني بأكمله. ورغم كثافة الحديث عن الزراعة الذكية والتكنولوجيا الحديثة، ما زالت هذه المفاهيم في كثير من الأحيان حبيسة المؤتمرات والتقارير، بينما يواجه المزارع تحدياته بأدوات محدودة ودعم غير كاف ، فالتكنولوجيا لا تقاس بعدد المشاريع المعلنة، بل بمدى وصولها إلى الحقول، وقدرتها على خفض الكلف وزيادة الإنتاج واستقرار الجودة ، ودون ذلك، يتحول الخطاب التقني إلى عبء معنوي إضافي يفاقم فجوة الثقة بين صانع القرار ومنفذ السياسات على الأرض. وتزداد هذه الفجوة وضوحاً عند ربط الواقع الزراعي بما ورد في رؤية التحديث الاقتصادي، التي حملت طموحات كبيرة لتطوير القطاعات الإنتاجية وتحقيق النمو المستدام ، فالإشكالية ليست في الرؤية ذاتها، بل في ضعف آليات المتابعة والمساءلة، وفي الفصل غير المبرر بين التخطيط الاقتصادي والواقع الزراعي والمائي، ما يجعل بعض الأهداف أقرب إلى التمنيات منها إلى البرامج القابلة للقياس ، ومع غياب التقييم الدوري الصريح لما تحقق وما تعثر، تتراكم الإخفاقات بهدوء إلى أن تظهر فجأة في الأسواق على شكل نقص أو ارتفاع أسعار أو توسع في الاستيراد. ويبدو التناقض أكثر حدة عند طرح فكرة تهيئة الأردن كمستودع إقليمي للغذاء، في وقت لا يزال فيه تأمين الاستقرار الغذائي المحلي تحدياً قائماً ، فالمنطق الاقتصادي يفرض ترتيب الأولويات، إذ لا يمكن بناء دور إقليمي مستدام دون قاعدة داخلية صلبة قادرة على الإنتاج والتخزين والتسويق بكفاءة ، أما القفز فوق هذه القاعدة، فيحول الطموحات الكبرى إلى شعارات تفقد مصداقيتها مع أول اختبار عملي. إن قضية الزيت البلدي، بكل ما تحمله من رمزية، ليست مسألة ذوق استهلاكي أو حنين لمنتج محلي، بل مؤشر إنذار يستدعي وقفة مراجعة شاملة للسياسات الزراعية، ولمنهجية إعداد الخطط ومتابعة تنفيذها ، فالأمن الغذائي ليس ملفاً ثانوياً، بل عنصر أساسي من عناصر الاستقرار والسيادة، وأي رؤية لا تنطلق من هذا الفهم العميق ستبقى حبيسة الورق، مهما بدت متقدمة في صياغتها وطموحة في عناوينها. وعلى الله التوفيق
|