الزرقاء.. مهد الإرث الحضاري ووجهة السياحة العالمية الجديدة

14٬291

 

حصادنيوز –  تقف محافظة الزرقاء اليوم على أعتاب مرحلة مفصلية في مسيرتها الحضارية، مع التحضير لإطلاق سلسلة من المسارات السياحية الجديدة التي ستعيد إليها وهجها التاريخي ومكانتها العالمية، وتجعلها وجهة رئيسية للباحثين عن عبق الماضي وثراء التراث.
وقال أستاذ علم الآثار في الجامعة الهاشمية، الباحث الدكتور محمد وهيب، في حديثه لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إن الزرقاء تزخر بكنوز طبيعية وتراثية تعكس مختلف أنماط السياحة، مشيراً إلى أن هناك مشروعاً بحثياً رائداً مدعوماً من الجامعة الهاشمية؛ عمل خلال السنوات الماضية على توثيق مساراتها التاريخية، ليمهد الطريق أمام انطلاقة نوعية في تطوير الإرث الحضاري وتقديمه للعالم بصورة عصرية قائمة على البحث العلمي والتخطيط المستدام.
وأضاف، أن الزرقاء شكلت عبر العصور ملتقى لطرق التجارة الدولية، ومعبراً للقوافل القادمة من الجزيرة العربية والمتجهة نحو الشام والعراق ومصر، حتى غدت شاهداً حياً على تلاقي الشعوب والأفكار والثقافات.
ولفت إلى أن أبرز تلك الطرق التي جرى توثيقها، مسار الإيلاف القرشي، الذي لا تزال معالمه ماثلة في مواقع، مثل القصبة والأزرق وبيرين وخربة الرصيفة وصولاً إلى الحمام الساخن على حدود جرش، ولم يكن هذا الطريق مجرد خط للتجارة، بل ساحة للتبادل الفكري والثقافي والأدبي، حيث تناقلت القوافل على جنباته القصص والأشعار، كما وثقت المصادر التاريخية وقوع حادثة مقتل عتبة بن أبي لهب في الزرقاء.
كما تتوزع في الزرقاء أيضاً محطات طريق البخور الدولي، الذي امتد لأكثر من ألفي كيلومتر عابراً المرتفعات والسهول والأغوار، وما تزال آثاره شاهدة في وادي الزرقاء والقرى المحيطة به، بما يعكس أهميته العالمية في التجارة القديمة.
أما طريق تراجان الروماني، الممتد من شمال الأردن إلى جنوبه، فتظهر ملامحه في بلدة الهاشمية عبر أعمدة ميلية ما تزال قائمة، شاهدة على الدور المحوري للزرقاء كمعبر استراتيجي ارتبط بالطرق القديمة وأسس لنهضة سياحة المسارات المستدامة.
وأفاد الدكتور وهيب، بأن الزرقاء يبرز فيها نمط سياحي فريد على مستوى الشرق الأوسط، هو مسار مثلث الصيد، الذي يضم المصايد الحجرية الممتدة منذ أكثر من ألفي عام في مناطق الحلابات والظليل وربوع الزرقاء، إذ تم تصميم تلك المصايد العملاقة، ذات الجدران التي تمتد لمسافات تصل إلى كيلومتر، لصيد الغزلان وخاصة غزال الريم.
وتابع، أن هذا المسار يحتضن معلم قصير عمرة، الذي نقشت على جدرانه مناهج الصيد القديمة بألوان “الفريسكو”، ليغدو متحفاً نادراً للصيد أدرج على قائمة التراث العالمي عام 1985، فيما تعيش في محمية الشومري بالأزرق سلالات حيوانية أعيد توطينها لتحاكي بيئة العصور التاريخية القديمة، فتشكل نموذجاً فريداً للسياحة البيئية والتراث الطبيعي.
كما تثير الأبنية الغامضة المنتشرة في بادية الزرقاء دهشة الباحثين والخبراء، الذين ما زالوا يسعون إلى فك أسرارها وتفسير وظائفها، الأمر الذي يفتح المجال أمام نوع جديد من السياحة البحثية والعلمية.
وأكد الدكتور وهيب، أن هذه الكنوز جميعها تحتاج إلى مظلة مؤسسية حديثة تعكس عظمتها للعالم، وهنا يبرز مطلب إقامة متحف أثري وتراثي وطبيعي في الزرقاء، إذ لا تزال المدينة رغم حجمها التاريخي والسكاني تفتقر إلى متحف شامل يوثق إرثها ويخدم المجتمع المحلي ويستقطب السياح.
وحول الاكتشافات التي تعزز ضرورة إنشاء متحف للتاريخ الطبيعي في الزرقاء، أشار وهيب إلى العثور على عظام أضخم طائر زاحف عرفته الأرض “أرامبورغ فيلادلفيا”، الذي عاش قبل سبعين مليون عام في منطقة مناجم فوسفات الرصيفة، إلى جانب بقايا الديناصورات والزواحف والبرمائيات المكتشفة حديثاً في محمية الأزرق المائية.
ولفت إلى أهمية مسار دارة الملك عبدالله المؤسس، رحمه الله، الذي أصبح شبه جاهز، إذ يوثق المواقع التي مر بها الملك المؤسس أثناء زياراته ومتابعاته، ويرتبط كذلك باكتشاف أضخم الطيور العملاقة التي وجه رحمه الله بتوثيقها علمياً.
ويختم الدكتور وهيب بالتأكيد على أن هذه المسارات السياحية لا تمثل مجرد مشاريع محلية، بل تعكس عالمية الإرث الحضاري للزرقاء ومكانتها في التاريخ الإنساني.
ومع إطلاق المرحلة الثانية من المشروع البحثي، سيلمس الأثر الإيجابي بشكل مباشر في حياة المواطنين من خلال تنشيط الحركة الاقتصادية والسياحية، فضلاً عن نشر هذا الإرث عبر الوسائل الرقمية الحديثة، وفي مقدمتها مستكشف الزرقاء الإلكتروني الذي سيضم قواعد بيانات متكاملة مرتبطة بالقطاع السياحي، ليصبح بوابة معرفية وسياحية تليق بمدينة جمعت الماضي العريق بالمستقبل الواعد.

قد يعجبك ايضا