حصادنيوز – تشهد إسرائيل تقديرات بأن إيران ذاهبة لتفجير المفاوضات مع الولايات المتحدة، ليس حبا بالحرب، بل كجزء من تكتيك المفاوضات، وتتمنى مؤسستها الحاكمة ومعظم الإسرائيليين معاودة الحرب على الجبهتين الإيرانية واللبنانية، طمعا بتحقيق أهدافها المعلنة على الأقل هذه المرة.
في التزامن، تتصاعد المخاوف والانتقادات المتعلقة بوقف الحرب على الجبهة اللبنانية، وسط اتهامات مستمرة للطبقة السياسية، خاصة نتنياهو وكاتس، بالكذب والتورط بلغة متعجرفة عالية دون غطاء، مما يبقي شمال البلاد تحت تهديد حزب الله.
ويغذي الإعلان عن مقتل جنديين وإصابة كثيرين في جنوب لبنان بعد وقف النار المزاج العام السلبي، والشعور العام بـ “الحموضة” السائد في الشارع الإسرائيلي منذ أسبوعين ونيف، ويؤجج الانتقادات الموجهة بالأساس لحكومة الاحتلال. ومنذ أيام كثيرة، يسود في إسرائيل مزاج متكدر حيال الجبهة مع لبنان، نتيجة الاستنتاج أن حزب الله، وبخلاف مزاعم إسرائيلية رسمية، ما زال قويا وقادرا على شل شمال البلاد وإيقاع الخسائر بصفوف الجيش الغازي، وسط تساؤلات عن المنطق في المعادلة، أن إسرائيل في حرب مع حزب الله، فيما تجري تل أبيب مفاوضات مع حكومة عاجزة في بيروت.
من جهته، حاول وزير الزراعة عضو الكابنيت آفي ديختر تخفيف ثقل هذه المشاعر السوداوية، خاصة في ظل غضب على وقف النار مع حزب الله، بالقول إن هذا طبع الحروب وهذا طبع القتال مع منظمات إرهابية، فالحدود غير واضحة دائما.
وتابع في حديث للإذاعة العبرية الرسمية: “جاء وقف النار في لبنان بطلب من ترامب ونحن بحاجة للتحالف معه، ولذا أدعو إلى النظر للصورة الأوسع هنا: نحن نحارب إيران ونحتاج للولايات المتحدة من أجل إزالة تهديدها الوجودي، والنتائج مدهشة، وأدعو لعدم التسرع في القول إننا لم نحقق الأهداف، والتذكر أننا قتلنا مئات من القيادات لدى إيران وحزب الله، وهما عدوان باتا أضعف بكثير مما كانا”.
بنت جبيل
غير أنه بعد مقتل عشرة جنود وإصابة 650 جنديا منذ بدء الحرب على الجبهة الشمالية في مطلع آذار، ترى أوساط واسعة في إسرائيل أن حزب الله ما زال مقتدرا، وأن اتفاق وقف النار هذه المرة يبدو مختلفا عن اتفاق وقف النار الأسبق في نوفمبر 2024، إذ تمكنت إسرائيل من مواصلة القصف في لبنان أين ومتى شاءت بذريعة الأمن، دون أن يرد حزب الله.
وجاء الأمين العام للحزب نعيم قاسم وقال ذلك بوضوح ليلة أمس، بالإشارة للرفض القاطع للعودة لما كان قبل اتفاق وقف النار نهاية 2024، منوها لتواجد مقاتليه في الميدان.
وعبّر عن هذا المزاج مقدم البرنامج الإخباري المركزي في الإذاعة الرسمية آرييه غولان، بالقول صباح اليوم الأحد، شاكيا من أن الجيش يفشل بالاستيلاء على بلدة بنت جبيل منذ أسابيع. جاء ذلك خلال حديث مع القائد الأسبق للمنطقة الشمالية في الجيش، الجنرال في الاحتياط يوسي بيلد.
ويرى عدد كبير من المراقبين الإسرائيليين أن الشعور العام المشبع بالسلبية و”الحموضة” مصدره ليس النتائج العسكرية الباهرة، بل مرده الفجوة الكبيرة بين الوعود والشعارات والأوهام التي ساقها الساسة الإسرائيليون وبين الواقع. من هؤلاء المحاضر في جامعة تل أبيب، الجنرال في الاحتياط ميخائيل ميليشتاين، الذي يقول في هذا المضمار إن الحلم، الشجاعة والخديعة هي مبادئ أساس بالمشروع الصهيوني، ولكن عندما تستبدل هذه بـ “الفنطازيا” وبيع الأوهام، تكون النتيجة ضررا ثقيلا.
في مقال تنشره صحيفة “يديعوت أحرونوت”، يؤكد ميليشتاين مجددا أن الرهان على القوة دون رؤية سياسية هو سبب الفشل. في المقابل، هناك بعض المراقبين الإسرائيليين ممن يعتقدون أنه إلى جانب فشل الحكومة، فإن الجيش أيضا لا يستطيع تحقيق مكاسب كبيرة في الجبهة اللبنانية بسبب حالة الإنهاك المتراكم منذ السابع من أكتوبر.
ويحذر مراقبون آخرون من استنساخ خطة الخط الأصفر من غزة إلى لبنان، منبهين للفوارق المختلفة بين الحالتين، ولذا يرون أن الحزام الأمني في جنوب لبنان هو أقرب ليكون مشكلة (عبوات ناسفة وكمائن الخ) مما هو حل بالنسبة لإسرائيل، لا سيما أنها جربته منذ حرب لبنان الأولى عام (2000-1982).
الدعوات لتجديد الحرب
ويشكك معظم هؤلاء المراقبين بجدوى المداولات مع حكومة بيروت، ويرون كأغلبية الإسرائيليين بضرورة استئناف الحرب في الجبهتين الإيرانية واللبنانية، لا سيما سكان شمال البلاد الغاضبين على اتفاق وقف النار ويعتبرونه خضوعا. على هذه الخلفية، أعلنت بلدية كريات شمونة في الجليل وعدد من المستوطنات عن إضراب عام، ودعت للمشاركة في مظاهرة في القدس اليوم الأحد احتجاجا على وقف النار وإبقاء تهديد حزب الله على حاله.
وتسود حالة من العتب والغضب في شمال البلاد على وجه الخصوص، وفي مجمل إسرائيل بشكل عام، لوقف الحرب وبتعليمات خارجية من ترامب، مما دفع بعض المعلقين المحليين لتشبيهها بـ “جمهورية الموز”. ويتقاطع مع ذلك كاريكاتير في صحيفة “يديعوت أحرونوت” اليوم، ويبدو فيه ترامب عملاقا يخنق نتنياهو القزم تحت إبطه، فيما يقول الأول “شارك معنا بيوم الاستقلال بعد غد”، يرد عليه الثاني ساخرا: “عن أي استقلال تتحدث؟”.
ويدعو المعلق السياسي في الصحيفة شيمعون شيفر نتنياهو وكاتس وسائر المستوى السياسي للكف عن الكذب، ويؤكد أن إيران قوية، صمدت وصدمت بخلاف ما يقال عنها، وقد فرضت ربطا بين الجبهتين الإيرانية واللبنانية. ويسخر شيفر أيضا من الاستخفاف بالعدو، ويستذكر تصريحات السفير الإسرائيلي لايتر قبل أيام، وهو يتحدث عن السلام مع لبنان وعن زيارات الإسرائيليين له ببدلات وبملابس السباحة.
ويشير المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس” عاموس هارئيل إلى مسؤولية ترامب عن وقف النار الهش في لبنان، منوها أن إدارة الرئيس الأمريكي، كما في غزة وإيران، تنتج اتفاقات وقف نار غير ثابتة بدلا من الحلول، معتبرا هو الآخر أن صياغة تسوية مع لبنان مهمة مركبة، محذرا من أن بقاء الجيش الإسرائيلي داخل الجنوب اللبناني وفي غزة سيفضي لاحتكاكات مع حزب الله وحماس.
وعن ذلك يضيف: “بعد 24 ساعة من فرض وقف للنار في لبنان، قام ترامب بخطوة متطرفة إضافية وربما غير مسبوقة: أعلن أنه يحظر على إسرائيل مواصلة القصف في لبنان. أمريكا تمنع إسرائيل من فعل ذلك. كفى يعني كفى”.
إن استمرار هذا الاستنزاف على الجبهة اللبنانية يشكل مأزقا للجانب الإسرائيلي أيضا، جيشا وحكومة، وبالنسبة لنتنياهو فهذا كابوس، لا سيما وأنه طالما قدم نفسه بصفته “سيد الأمن” ونابليون الإسرائيلي، ويجد نفسه في مأزق عشية انتخابات عامة بعد شهور قليلة ستحسم مصيره وبقاءه في الحكم وفي الذاكرة. مثل هذا المأزق المتزامن مع أزمة في المفاوضات الأمريكية الإيرانية الآن يدفعه لمحاولة إقناع ترامب مجددا باستئناف الحرب على الجبهتين، مما يفسر الاستعدادات في إسرائيل لانفجار عسكري جديد، وفق ما أكدته مصادر إعلامية عبرية اليوم. من غير المستبعد أيضا أن يعاود نتنياهو الحرب على غزة طمعا بصورة انتصار، علها تخفف من وطأة مأزقه الشخصي الحالي.