الباميا ورَحِمُ الوطن

حصاد نيوز – بقلم  د. فلاح العريني – في هذا الوطن، لا تُقاس الأزمات بحجمها، بل بقدرتنا العجيبة على التعايش معها، حتى تصبح الفاجعة وجبة يومية، والفقر عادة، والخذلان جزءًا من التربية الوطنية.
وهنا، على مائدة السياسة، تجلس الباميا كرمزٍ فاقعٍ لكل ما هو لزج، مكرَّر، وعديم القيمة الغذائية، لكنه يُقدَّم لنا كل يوم على أنه إنجاز.
نُسأل عن البطالة، فيُجابنا بالباميا.
نصرخ من غلاء المعيشة، فتأتينا الباميا.
نطالب بعدالة، بشفافية، بتكافؤ فرص، فيُسكب علينا صحنٌ آخر من الباميا، مع خطابٍ منمّق عن الصبر والشدّ على الأحزمة، بينما الأحزمة ذاتها لم تعد تصلح إلا لخنق الأحلام.
أما رحم الوطن، ذاك المكان المفترض أن يولد فيه الأمل، فقد أُرهق.
حُمِّل ما لا يُحتمل: فساد، محسوبية، تمييز، تهميش، ووعود لا تُنجَب.
صار رحمًا يُنجب الخيبة، ويُسقِط الكفاءة، ويُبقي على ذات الوجوه، بذات اللغة، وبذات الوصفات الفاشلة.
كيف لوطنٍ أن ينهض، وهو يُدار بعقلية المطبخ لا بعقل الدولة؟
كيف يُطلب من الشباب الإيمان، وهم يرون الوظيفة تُورَّث، والمنصب يُحصَّن، والكرامة تُؤجَّل إلى إشعارٍ آخر؟
كيف نُقنع الجائع أن الوطن أمٌّ حنون، وهو لا يجد في حضنها إلا المواعظ؟
المشكلة ليست في الباميا ذاتها، بل في الإصرار على تقديمها كحلٍّ لكل داء.
والمأساة ليست في رحم الوطن، بل في من يعبث به، ويمنعه من إنجاب دولة عادلة، واقتصادٍ منتج، ومواطنة متساوية.
هذا الوطن لا يحتاج وصفة طبخ جديدة،
بل يحتاج جرأة الاعتراف،
وشجاعة القطع مع الماضي،
وإرادة سياسية تفهم أن الأوطان لا تُدار باللزوجة،
ولا تُنقَذ بالمسكنات.
فإما أن نُنقذ رحم الوطن قبل أن يعقم،
أو سنبقى نأكل الباميا…
ونتساءل لماذا لا نشبع.
اريد باميا..
د.فلاح العريني..
كاتب سياسي..